عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
70
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
محبوبي ، أنت المراد أنت وجهي في العباد ، أنت المقصد الأسنى ، أنت المطلب الأعلى ، أنت سرّي في الأسرار ، أنت نوري في الأنوار ، أنت عيني أنت زيني ، أنت جمالي أنت كمالي ، أنت اسمي أنت ذاتي ، أنت نعتي أنت صفاتي ، أنا اسمك أنا رسمك ، أنا علامتك أنا وسمك ، حبيبي أنت خلاصة الأكوان والمقصود من الوجود والحدثان ، تقرّب إلى شهودي فقد تقربت إليك بوجودي لا تبعد فإني أنا الذي قلت : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » « 1 » لا تتقيد باسم العبد ، فلو لا الربّ ما كان العبد ، أنت أظهرتني كما أظهرتك ، فلو لا عبوديتك لم تظهر لي ربوبية ، أنت أوجدتني كما أنا أوجدتك ، فلو لا وجودك ما كان وجودي موجودا ، حبيبي الدنوّ الدنوّ ، حبيبي العلوّ العلوّ ، حبيبي أردتك لوصفي واصطفيتك لنفسي فلا ترد نفسك لغيري ولا ترد غيري لك ، حبيبي شمني في المشموم ، حبيبي كلني في المطعوم ، تخيلني في المهموم ، حبيبي تعلقني في المعلوم ، حبيبي شاهدني في المحسوس ، حبيبي المسنى في الملموس ، حبيبي ألبسني في الملبوس ، حبيبي أنت المراد بي وأنت المكنى بي وأنت المكنى عنه بي ، ما ألذّها من معاطفة ، ما أحلاها من ملاطفة ، ومن المكلمين من يحادثه الحقّ على لسان الخلق ، فيسمع الكلام من جهة ولكن يعلم أنه من غير جهة ويصيخه من الخلق ولكن يسمعه من الحق . وفي ذلك أقول : شغلت بليلى عن سواها فلو أرى * جمادا لخاطبت الجماد خطابها ولا عجب أني أخاطب غيرها * جمادا ولكن العجيب جوابها ومن المكلمين من يذهب به الحقّ من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح وهؤلاء أعلى مراتب ، فمنهم من يخاطب في قلبه ، ومنهم من يصعد بروحه إلى سماء الدنيا ، ومنهم إلى الثانية والثالثة كل على حسب ما قسم له ، ومنهم من يصعد به إلى سدرة المنتهى فيكلمه هناك ، وكلّ من المكلمين على قدر دخوله في الحقائق تكون مخاطبات الحق له ، لأنه سبحانه وتعالى لا يضع الأشياء إلا في مواضعها . ومنهم من يضرب له عند تكليمه إياه نور له سرادق من الأنوار ، ومنهم من ينصب له منبرا من نور . ومنهم من يرى نورا في باطنه فيسمع الخطاب من تلك الجهة النورية ، وقد يرى النور كثيرا وأكثر ومستديرا ومتطاولا ، ومنهم من يرى صورة روحانية تناجيه ، كل ذلك لا يسمى خطابا ، إلا إن أعلمه اللّه أنه هو المتكلم ، وهذا لا يحتاج فيه
--> ( 1 ) آية ( 16 ) سورة ( ق ) .